أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

443

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بجمل كثيرة . قوله : « ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً » الجمهور « يَنْقُصُوكُمْ » بالصاد المهملة ، وهو يتعدى لواحد ، ولاثنين ، ويجوز فيه ذلك هنا ف « كم » ، مفعول ، و « شَيْئاً » إمّا مفعول ثان وإمّا مصدر ، أي : شيئا من النقصان ، أو لا قليلا ولا كثيرا من النقصان . وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وابن السّميفع وأبو زيد « ينقضوكم » بالضاد المعجمة وهي على حذف مضاف ، أي : ينقضوا عهدكم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . قال الكرماني : « وهي مناسبة لذكر العهد ، أي أن النقض يطابق العهد ، وهي قريبة من قراءة العامة ، فإنّ من نقض العهد فقد نقص من المدة ، إلّا أن قراءة العامة أوقع ، لمقابلتها التمام » . قوله : الْأَشْهُرُ . يجوز أن تكون الألف واللام للعهد ، والمراد بهذه الأشهر : الأشهر المتقدمة في قوله : « فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ » ، والعرب إذا ذكرت نكرة ، ثم أرادت ذكرها ثانيا أتت بضميره ، أو بلفظه معرفا ب « أل » ، ولا يجوز أن تصفه حينئذ بصفة تشعر بالمغايرة ، فلو قيل : رأيت رجلا ، فأكرمت الرجل الطويل لم ترد بالثاني الأول ، وإن وصفته بما لا يقتضى المغايرة جاز ، كقولك : « فأكرمت الرجل المذكور » ، ومنه هذه الآية ، فإنّ « الْأَشْهُرُ » قد وصفت ب « الْحُرُمُ » ، وهي صفة مفهومة من فحوى الكلام ، فلم تقتض المغايرة . ويجوز أن يراد بها غير « الْأَشْهُرُ » المتقدمة ، فلا تكون للعهد ، والوجهان منقولان في التفسير . و « الانسلاخ » هنا من أحسن الاستعارات ، وقد بيّن ذلك أبو الهيثم ، فقال : « يقال : « أهللنا شهر كذا ، أي : دخلنا فيه ، فنحن نزداد كلّ ليلة منه إلى مضيّ نصفه لباسا ، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءا فجزءا ، إلى أن ينقضي وينسلخ ، وأنشد . في المعنى قوله : 2468 - إذا ما سلخت الشّهر أهللت مثله * كفى قاتلا سلخ الشّهور وإهلالي قوله : كُلَّ مَرْصَدٍ في انتصابه وجهان : أحدهما : أنه منصوب على الظرف المكاني . قال الزجاج : « نحو : ذهبت مذهبا » . وقد ردّ الفارسي عليه هذا القول من حيث إنّه ظرف مكان مختص ، والمكان المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه ، بل بواسطة « في » ، نحو : صليت في الطريق ، وفي البيت ، ولا يصل بنفسه إلا في ألفاظ محصورة ، بعضها ينقاس ، وبعضها يسمع ، وجعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة : 2469 - لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطّريق الثّعلب « 1 » وهو أنه جعله مما حذف فيه الحرف اتساعا ، لا على الظرف ، لأنه ظرف مكان مختص . قال الشيخ : « إنّه ينتصب على الظرف ، لأن معنى « وَاقْعُدُوا » لا يراد به حقيقة القعود ، وإنما يراد : « أرصدوهم » ، وإذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة ، ومتى اتفقا في المادة لفظا ، أو معنى ، وصل إليه بنفسه ، تقول جلست مجلس القاضي ، وقعدت مجلس القاضي ، والآية من هذا القبيل » .

--> ( 1 ) تقدم .